الشيخ محمد رشيد رضا
64
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أخرى وهي أن الامر بالمعروف والنهى عن المنكر سياج الايمان وحفاظهكما تقدم بيانه ) فكان تقديمه في الذكر موافقا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شئ مقدما عليه أقول كل ذلك حسن . والمتبادر عندي أن تقديم الأمر والنهى للتعريض بأهل الكتاب الذي كانوا يدعون الايمان ولا يقدرون على ادعاء القيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهم كانوا في مجموعهم لا يتناهون عن منكر فعلوه وادعاء ما تكذبه المشاهدة يفضج صاحبه ، فقدم ذكر الامر والنهى لأنهم لا مجال لهم في دعوى مشاركة المؤمنين فيه وأخر ذكر الايمان الذي يدعونه ليرتب عليه بيان أنه إيمان غير صحيح لأنه لم يأت بثمر الايمان الصحيح ولذلك قال ( وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) أي لو آمنوا الايمان الصحيح الذي يستولى على النفوس ويملك أزمة الأهواء فيكون مصدرا لأحاسن الاعمال كما تؤمنون أنتم لكان خيرا لهم مما يدعون من الايمان التقليدى الذي لا يزع عن الشرور ، ولا يرفع صاحبه إلى معالى الأمور ، وبهذا التفسير يندفع سؤال ثالث للرازي وهو لم اكتفى بذكر الايمان باللّه ولم يذكر الايمان بالنبوة ؟ فإذا كان الكلام تعريضا بأن القوم لا يؤمنون باللّه إيمانا صحيحا فأي حاجة إلى ذكر الايمان بغيره ، على أنه لو ذكر غير ذلك لكان المناسب أن يذكر الايمان برسوله وهو محل خلاف بين الفريقين أو الايمان بالرسل كافة وأهل الكتاب اشتهروا بذلك وجواب الرازي تكلف ظاهر . ثم صرح بعد التعريض بأنهم لو آمنوا لكان خيرا لهم ولم يقل لو آمنوا باللّه بل اطلق ليدل على أن إيمانهم بكل ما يؤمنون به غير صحيح لأنه لم يأت بثمرات الايمان الصحيح كما قلنا آنفا وجعل الأستاذ الامام هذه الجملة متعلقة بمجموع الكلام السابق فقال إنه بعد ما نهانا سبحانه عن التفرق والاختلاف كما تفرق أهل الكتاب بعد ما جاءهم البينات وأمرنا بالدعوة إلى الخير والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وذكر أننا خير أمة أخرجب للناس بهذا أو بالايمان الحقيقي الذي يقترن بالاذعان النفسي والاتباع العملي - ناسب أن يذكر أن أهل الكتاب المختلفين ليسوا مؤمنين هذا الايمان الخلص الذي يحبه اللّه تعالى ويرضاه وهو الذي يكون الامر بالمعروف ثمرة من ثماره والنهى عن المنكر أثرا من آثاره ، فعلمنا أن المراد بهذا الايمان